يرى يزيد صايغ في هذا التحليل أن تنفيذ المرحلة الثانية من خطة دونالد ترامب بشأن غزة لا يحمل أي معنى عملي إذا لم تُنفَّذ المرحلة الأولى كاملة وبلا انتقائية. ينطلق الكاتب من فكرة مركزية مفادها أن المسؤولية لا تقع على عاتق اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية وحدها، بل تقع بالأساس على “مجلس السلام” الذي أنشأه ترامب، وعلى الدول التي صوّتت لصالح قرار مجلس الأمن 2803، لضمان توافر الشروط التي تمكّن هذه اللجنة من العمل الفعلي على الأرض.

 

يوضح المقال أن مؤسسة كارنيجي نشرت هذا الطرح ضمن مدونتها “ديوان”، في سياق تحليل أوسع لدور الفاعلين الدوليين في مرحلة “اليوم التالي” لغزة، وانتقاد المقاربات التي تتجاهل الفاعلية السياسية الفلسطينية.

 

لجنة بلا صلاحيات حقيقية

 

ينتقد المقال التعليقات التي تختزل المشكلة في قدرة اللجنة الفلسطينية على “إثبات أنها قادرة على الإنجاز”، كما ورد على لسان دبلوماسي إقليمي في صحيفة فايننشال تايمز. يوضح الكاتب أن هذا المنطق مقلوب، لأن اللجنة لا تملك أدوات السيادة ولا السيطرة الأمنية ولا الموارد الكافية، بينما يحتفظ مجلس السلام والولايات المتحدة وإسرائيل بمفاتيح القرار الحقيقي.

 

يصف صايغ خطة ترامب ومجلس السلام بأنهما يحققان أسوأ مخاوف منتقديهما. يستشهد بآراء أكاديمية تؤكد أن إقصاء الفلسطينيين بوصفهم فاعلين سياسيين يحرمهم من حق تقرير المصير، ويحوّل أقصى ما يمكنهم الحصول عليه إلى مشاريع إعادة إعمار مقابل قبول نظام فصل عنصري بدل الإبادة. كما يرى أن خطط “اليوم التالي” التي صاغتها جهات غربية بلا مشاركة فلسطينية تفتح الباب أمام “رأسمالية الكوارث”، عبر إعادة هندسة الحكم، ونهب الأراضي والموارد، وفرض ترتيبات أمنية تخدم إسرائيل وحلفاءها.

 

شروط تمكين الإدارة الفلسطينية

 

يشدد المقال على أن النقاش الفلسطيني الداخلي حول مسار النضال ومستقبله ضروري وعاجل، لكنه يركز في اللحظة الراهنة على ضرورة ممارسة ضغط سياسي فوري على الجهات التي نصّبت نفسها وصية على غزة. الهدف يتمثل في تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الحضور الفعلي وتقديم الخدمات الأساسية للسكان.

 

يحدد الكاتب أربعة شروط رئيسية. الشرط الأول يتمثل في حماية جهاز تقديم الخدمات المدنية كاملًا من أي هجمات إسرائيلية. يوضح أن أي إدارة مدنية تفشل إذا احتفظت إسرائيل بحق استهداف مواقع الخدمات أو البنية التحتية أو الموظفين بحجة ملاحقة حماس. يقارن الكاتب بالحالة الأوكرانية، حيث حافظت الحكومة على الحد الأدنى من الخدمات رغم الهجمات الروسية، بفضل دعم هائل من حلف الناتو، وهو دعم لا تملكه غزة. لذلك يرى أن “السلاح الثقيل” الوحيد المتاح يتمثل في ضغط سياسي مباشر ومستدام يمارسه مجلس السلام وترامب شخصيًا على الحكومة الإسرائيلية.

 

ينتقل الشرط الثاني إلى مسألة الكادر الوظيفي، فيؤكد أن اللجنة لا تستطيع بناء إدارة فعالة من دون توظيف آلاف الموظفين الذين عملوا سابقًا في ظل حكومة حماس، من معلمين وعاملين في الصحة والمياه والكهرباء والإدارة المحلية. يشير إلى أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح عجزتا عن سد هذا الفراغ منذ 2007، وأن منع إسرائيل من التدقيق الأمني أو استهداف هؤلاء الموظفين شرط أساسي لنجاح أي إدارة. يضيف أن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية يجب أن تستعيد قدرتها التشغيلية الكاملة في غزة.

 

الإعمار والسيطرة الميدانية

 

يتمثل الشرط الثالث في السماح باستيراد الآليات والوقود والأدوية والمعدات اللازمة لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وبدء إصلاح المدارس والمستشفيات والمساكن، وإنعاش الأسواق المحلية. يبرز المقال حجم الدمار الهائل، إذ طال أكثر من 90% من المنازل، وغالبية المستشفيات، وجميع الجامعات، ومعظم شبكات المياه والصرف الصحي، ولم يبقَ سوى نسبة ضئيلة من الأراضي الزراعية صالحة للاستخدام. يوضح أن إزالة عشرات ملايين الأطنان من الركام ستستغرق سنوات بسبب الذخائر غير المنفجرة وبقايا الضحايا. يذكّر بأن خطة ترامب وعدت بحرية حركة السكان وتدفق المساعدات فور وقف إطلاق النار، لكن إسرائيل ما زالت تعرقل ذلك، ما يفرض على ترامب ومجلس السلام الوفاء بتعهداتهما.

 

أما الشرط الرابع، فيرتبط بتوسيع نطاق سيطرة اللجنة ليشمل كامل قطاع غزة عبر نشر قوة الاستقرار الدولية. يوضح الكاتب أن غياب هذه القوة حتى الآن يقوض أي حديث عن أمن أو إدارة موحدة، رغم تسريبات عن إعلان وشيك. يرى أن نشر هذه القوة شرط لا غنى عنه لنجاح اللجنة.

 

يخلص المقال إلى أن عيوب خطة ترامب ومجلس السلام خطيرة ومتعددة، لكن هذه العيوب نفسها تجعل الشروط الأربعة أجندة سياسية ملحّة. يدعو صايغ الدول العربية والأوروبية المشاركة في مفاوضات المرحلة الثانية، والمطلوب منها تمويل الإعمار أو إرسال قوات، إلى التحرك العاجل. يحذر من أن الفشل في ذلك يفرغ اللجنة من معناها، ويهدد العملية برمتها، ويترك غزة عالقة في جحيم طويل الأمد بلا أفق سياسي أو إنساني.

 

https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2026/01/all-or-nothing-in-gaza